في النظر إلى الأعلى

مقالات
علم
لماذا يبقى أقدمُ أدوات الفيزياء أكثرها تواضعًا.
Author

أحمد معروف

Published

24 يوليو 2026

في كلّ ليلةٍ صافية، تُنهي فوتوناتٌ غادرت نجمًا قبل أن تُبنى الأهرام رحلتها على شبكيّة عيني. المعاملة لا تعني الكون في شيء؛ أمّا بالنسبة إليّ فهي المغزى كلّه. الفلك الرصدي أقدمُ طرق ممارسة الفيزياء، وأظنّه يبقى أصدقها، لأنّه يبدأ بالاعتراف بضآلة الراصد.

أقضي ساعات عملي داخل المعادلات — دوالّ الكثافة، وبِنى النطاقات، والآلة الأنيقة التي تتيح لنا التنبّؤ بسلوك صفيحةٍ من الكربون. عملٌ مُرْضٍ، وقد يُقنعك بهدوءٍ أنّ العالم شيءٌ تحسبه. ثمّ تحمل مِرقابًا إلى الخارج، وتدع عينيك تتكيّفان عشرين دقيقة، فتجد زُحَل معلّقًا هناك بحلقاته مائلةً حقًّا، فتُعيد القناعة ترتيب نفسها. لم تكن الحلقات معادلةً قطّ؛ كانت هناك ببساطة، غير عابئةٍ بمن يشتقّها.

في النظر إلى الأعلى انضباطٌ لا أجده في مكانٍ آخر. يطلب صبرًا — فالسماء تكافئ من ينتظر اتّساع حدقتيه، لا من يريد نتيجةً سريعة. ويطلب تواضعًا — فكلّ جِرمٍ في العدسة أقدمُ وأكبرُ وأبقى من الأسئلة التي أحملها إليه. ويطلب نوعًا من الانتباه عفا عنه الزمن: انتباهًا مستمرًّا، لا تكافئه الإشعارات، موجَّهًا إلى ما لن يؤدّي لك عرضًا.

لا أنظر إلى الأعلى لأشعر بالضآلة على نحوٍ كئيب. أنظر لأنّه العلاج الوحيد الموثوق الذي أعرفه لئلّا آخذ نفسي — وركني الصغير من الجدول الدوري — على محملٍ أكثر ممّا ينبغي. كانت النجوم بخيرٍ قبل الفيزياء، وستبقى بخيرٍ بعدها. وليست هذه فكرةً مُثبِّطة، بل راحة.